اسماعيل بن محمد القونوي

348

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بالتصريح به بعد دخوله في العموم لكن المتعارف في مثله الذكر بالعطف ولعل وجه ترك العطف التنبيه على أنه مراد على حياله فذكر على أنه ابتداء كلام غير مربوط بما قبله بحسب الإعراب وإن كان مربوطا بكونه فردا من أفراد العام . قوله : ( أو الذي خلق الإنسان ) وجه ثالث لقوله : الَّذِي خَلَقَ [ العلق : 1 ] فصل هذا عن الأولين لأن كون خلق الإنسان تخصيصا بعد تعميم مختص بهما وأخره إذ التنبيه المذكور إنما يتحقق بالأولين . قوله : ( فأبهم أولا ثم فسر تفخيما لخلقه ودلالة على عجيب فطرته ) تفخيما لخلقه لما مر من أنه العالم الصغير وجه التفخيم أن إبهام الشيء أولا ثم البيان ثانيا يشعر بالاهتمام به ودلالة على عجيب فطرته حيث خلق في أحسن تقويم ومستعدا لتحصيل الكمالات العلمية والعملية الفطرة الخلقة التي فطر الناس عليها من تمكنهم لقبول الحق والإحاطة بالجزئيات واستنباط الصناعات واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل . قوله : ( من علق ) من ابتدائية أي بدأ خلقه من علق بعد انقلاب النطفة علقة وخصها دون غيره من التارات لرعاية الفاصلة وقيل لأنه أدل على كمال القدرة من المضغة لكن التراب والنطفة أدل من العلق على كمال القدرة ولعله اختارها لأنها قريبة من كونها إنسانا في الجملة وبعيدة عنه في الجملة فروعي كلا الاعتبارين مع أن مثل هذا سؤال دوري لا يعبأ به . قوله : ( جمعه لأن الإنسان في معنى الجمع ) مع أن الظاهر إفراده كما في سائر المواضع لأن الإنسان في معنى الجمع لكونه اسم جنس محلى بلام الاستغراق فنظر هنا إلى جانب المعنى « 1 » دون اللفظ وفي سائر المواضع نظر إلى جانب اللفظ فهي جمع « 2 » علقة وهي الدم الجامد فهي من قبيل انقسام الآحاد إلى الآحاد ومعنى جمعه أتى به جمعا إذ المجموع مفردة لا هذا ومثل هذا كثير في كلامهم تسامحا . قوله : ( ولما كان أول الواجبات معرفة اللّه تعالى ) هذا هو المختار وقيل أول الواجبات النظر الصحيح لمعرفة اللّه تعالى . قوله : ( نزل أولا ما يدل على وجوده وفرط قدرته وكمال حكمته ) هذا إشارة إلى أن قوله : أو الذي خلق الإنسان عطف على قوله : أو الذي خلق كل شيء أبهم أولا بحذف لفظ الإنسان ثم فسر ثانيا تفخيما لشأنه فإن إبهام الشيء أولا وتفسيره ثانيا يدل على أنه مما يعتد بشأنه حيث تعرض لذكره مرتين مرة إجمالا ومرة تفصيلا . قوله : نزل أولا ما يدل على وجوه وفرط قدرته يعني به خلق الإنسان لما فيه من عجائب صنع ودقائق حكمة تحيرت العقول في دركها وكلت الألسن في وصفها .

--> ( 1 ) والمرجح لجانب المعنى رعاية الفاصلة . ( 2 ) واطلق الجمع على اسم جنس مسامحة أو جمع لغوي .